البحث عن الحياة في كليوباترا

image

البحث عن الحياة في كليوباترا

في الثمانينات بشارع طريق الحرية سابقا والذي قامت المحافظة بتغيير اسم الشارع وهو المعروف للإسكندرانية بشارع أبوقير وبالتحديد مكان إشارة مرور حي كليوباترا كان هناك رجل في الخمسين من عمره نحيف بملابس مدنية وغطاء راس عسكري قليل الكلام مهابا ويصدر اوامره بيده او صفارة في صرامة وجدية واضحة للسيارات بالوقوف او التحرك كأنه زعيم من زعماء الشعب المصري وكان علي بعد أمتار منه عسكري مرور مجند يقوم بتغيير الإشارات في معظم الأحوال حسب أوامر هذا الرجل الغامض بالرغم من ان شرطي المرور يعلم ان هذا الرجل لاينتمي الي وحدة إدارة المرور او جهاز الشرطة ..
وسبب اهتمامي بهذه الشخصية الغامضة يرجع الي جلوسي في المقهي المقابل لهذه الإشارة وكنت دائما اسأل نفسي لماذا يعمل هذا الرجل بلا كلل بدون مقابل ?!ومن هو ?! وماهي حكايته ?! ..
أسئلة كثيرة حاولت ان ابحث لها عن اجابة لفهم فلسفة هذا الرجل في الحياة والتي تلخصت في العمل من الصباح حتي الخامسة يوميا ينظم حركة المرور وهو في غاية الاقتناع بان وجوده مهم جدا وبدونه لن تتوقف حركة المرور في حي كليوباترا فقط بل سوف يتوقف المرور في الاسكندرية كلها ..
وكان هذا الرجل يجلس وحيدا في المقهي المقابل للإشارة لياخذ قسط من الراحة في منتصف يومه ويشرب الشاي ولكن عيناه كانت تراقب حركة المرور وان الأمور تسير علي مايراه في سيرها الطبيعي ..واعتقد ان سبب قوته الخارقة تكمن في شغفه بكوب الشاي مع السيجارة ..وبعد هذا القسط من الراحة يبدأ في مواصلة عمله مرة اخري …
وفي بعض الأوقات عند توقف الإشارة كانت السماء تبتسم لهذا الرجل من خلال يدا تمتد له بمبلغ يعلم الله وحده مقداره وكان لايبتسم ولايتكلم بل يمد يده ويستأنف عمله في كبرياء فهو لايسئ الي احد وعندما يسخر منه البعض لايهتم ولايسئ اليهم ..فلقد كان يتفاني في عمله ويعتقد ان مايقوم به لايحتمل الاهمال والدخول في مهاترات جانبية …
فعبور المشاة للطريق والسماح للسيارات بالسير في سيولة والتواصل مع عسكري المرور لتغيير الإشارات في انسيابية أمور تتطلب التركيز والعمل المتواصل لراحة المواطن ..انه سعيد بما يقدمه ويتفاني فيه ولايرغب في مقابل او مرتب شهري انه عمل تطوعي في دولة لاتحترم ولا تشجع الاعمال التطوعية … انه لايقوم بإيذاء احد وليس له رغبة في سلطان او قيادة او شهرة او نفاق او يسعي الي نفوذ .وفي اعتقادي انه كان يستمد طاقته من خلال شعوره الشخصي اليومي بانه يساهم في مساعدة الآخرين وان كنت اري وقتها انه في أشد الاحتياج لهذه المساعدة ..ربما كان مصاب او يعاني من مرض نفسي او كان مضطهدا في حياته العملية من رؤسائه او اي من الأسباب الآخري ولكن قارب الحياة أعطاه أمل في مكان جديد وحياة جديدة تجعله يعطي ولا ينتظر مقابل حتي لو كان في أشد الاحتياج اليه فهو لايطلبه ..
تشعر من تحركاته وسعادته وتفانيه في عمله بان رياح كثيرة عصفت به وبقارب حياته تركت بصماتها علي صرامة وجهه وقلة كلامه والتعبير عما بداخله بالإيجاب لمساعدة الآخرين واصراره اليومي علي العطاء …. حتي اختفي بدون مقدمات بعد اكثر من خمس سنوات ظهر بها في هذا المكان ربما كانت النهاية لمشوار الحياة او البداية لحياة جديدة في مكان اخر يقدره حق قدره…
فلقد اختفي فجاة كما ظهر فجاة …… هل رحل عن عالمنا ?! هل حصل علي وظيفة محترمة ?! هل قرر انه لا فائدة من تنظيم المرور لعدم التزام المارة والسائقين وكثرة السيارات ?!وهل وهل وهل ????!!!! أسئلة كثيرة لم اعرف اجابة لها ولم اجد الفرصة المناسبة لسؤاله عن حكايته وقصته في البحث عن حياة في حي كليوباترا !

خالد عبيد
Khaled Eibid
Www.alexmanhatten.com