
في زمنٍ صار البقاء فيه نوعًا من الصبر القاسي، تأتي بعض الأغاني لتتجاوز حدود الفن وتتحوّل إلى مرايا صادقة لوجع الناس. أغنية «اتفضل من غير مطرود… وإياك تجنّن وتعود… وسلّم لنا بقى على التروماي» لم تكن مجرد مقطع ساخر، بل تلخيص دقيق لحالة جيلٍ يرى وطنه يتآكل ببطء بينما يتصنّع الآخرون أنهم لا يرون.
الوطن العالق في دوائر”التروماي”، بعجلاته المعدنية القديمة، يتحوّل هنا إلى مجازٍ قويّ لوطنٍ يسير في حلقة مغلقة. الوجوه تتبدّل لكن الاتجاه ثابت، والطريق ينتهي دائمًا إلى النقطة نفسها. الناس يتحركون كل يوم بين الأمل والإرهاق كأنهم فقدوا عقولهم كما تصف الاغنية، لكن المسار لا يتغيّر: الأغنية تعكس الفجوة بين طبقات المجتمع (الهبيش والحرافيش). الفساد متجذر، البطالة تكبر، والتضخم يخنق الحلم قبل أن يولد.
الوطن في هذه الدائرة يشبه التروماي: يبدو في حركة دائمة، لكنه في الحقيقة واقف عند مكانه لذلك فأن الرحيل وعيٌ ولم يكن قرارًا فقط ولم يكن الرحيل لحظة تمرد عابرة، بل نتيجة إدراك مؤلم أن البقاء داخل هذا المكان في صمت هو مشاركة في جريمة تدمير نفسه وتدمير الوطن . أنفس كثيرة بدأت تشعر أن الخروج أحيانًا هو آخر ما يمكن فعله باحترام. ليس من أجل الراحة، بل من أجل حفظ المعنى. فحين يتحوّل الوطن إلى مكانٍ يستهلك أبناءه، تصبح الهجرة شكلاً من أشكال النجاة و الدفاع عن النفس.
«سلّم لنا بقى على التروماي» — جملة صغيرة، لكنها تختزل وجعًا كبيرًا. فيها نغمة وداعٍ ساخر يقول أكثر مما يُقال صراحة: كأن المغادرين يودَّعون وطنًا أحبّوه، والوطن يودّعهم بابتسامةٍ لا تخفي لامبالاته. إنها مرارة جيلٍ تعلم أن يسخر بدل أن يصرخ، لأن الصراخ لم يعد يُسمع.
وفي الغربة، يتغير شكل الانتماء. تدرك أن الوطن ليس ترابًا فحسب، بل اهل و ذاكرة ولهجة وحنينٌ لا يُطفأ. تغادره جسدًا، لكنه يبقى ساكنًا فيك، يحضر في الأغاني، في الصمت، وفي الرغبة المستحيلة في العودة.
ومع الوقت تفهم أن المغادرة لم تكن خيانة، بل شكلًا من أشكال الوعي و الإيمان — الإيمان بأن الحياة تستحق أن تُعاش بكرامة، حتى لو بعيدًا عن المكان الذي علّمك الحلم أول مرة.
“سلم لنا بقى على التروماي” ليست سخرية خفيفة، بل نداءٌ خفيّ من جيلٍ أدرك أن التكرار للفساد في الوطن بين طبقات المجتمع (الهبيش والحرافيش). موتٌ بطيء، وأن الرحيل — مهما كان موجعًا — هو أحيانًا أول خطوة نحو الحياة..
خالد عبيد
#عيش_حرية_عدالةاجتماعية