السلطان عبد المجيد الأول ومساعدته الإنسانية لإيرلندا خلال المجاعة الكبرى

شهدت إيرلندا في منتصف القرن التاسع عشر واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها، عُرفت باسم المجاعة الكبرى (1845–1849). وقد نتجت هذه المأساة عن فشل محصول البطاطس، الذي كان الغذاء الأساسي لغالبية السكان، إضافة إلى السياسات الاقتصادية القاسية وسوء إدارة السلطات البريطانية التي كانت تحكم البلاد آنذاك. وأسفرت المجاعة عن وفاة أكثر من مليون شخص، فيما اضطر ملايين آخرون إلى الهجرة، ما خلّف جرحًا عميقًا في الذاكرة الإيرلندية استمر لعقود.
في خضم هذه الكارثة، برز موقف إنساني لافت من خارج أوروبا الغربية، تمثّل في مبادرة السلطان العثماني عبد المجيد الأول. فحين اطّلع على حجم المعاناة التي كان يعاني منها الشعب الإيرلندي، بادر إلى تقديم المساعدة دون اعتبارات سياسية أو دينية، في خطوة عكست البعد الإنساني للدولة العثمانية في تلك المرحلة التاريخية.
قرر السلطان في البداية التبرع بمبلغ 10,000 جنيه إسترليني لدعم المتضررين، إلا أن الحكومة البريطانية طلبت منه تقليص المبلغ إلى 1,000 جنيه إسترليني حتى لا يتجاوز قيمة التبرع الذي قدمته الملكة فيكتوريا. ورغم هذا القيد، لم تقتصر مبادرته على الدعم المالي، بل أمر أيضًا بإرسال ثلاث سفن محمّلة بالحبوب والمواد الغذائية إلى إيرلندا.
وبحسب الروايات التاريخية، واجهت السفن العثمانية محاولات لمنعها من الرسو في ميناء دبلن، لكنها تمكنت في نهاية المطاف من الوصول إلى ميناء دروغيدا، حيث جرى توزيع المساعدات على السكان الذين كانوا يعانون من الجوع الشديد. وقد أسهمت هذه المساعدات في التخفيف من معاناة الأهالي، وتركَت أثرًا إنسانيًا عميقًا في الذاكرة الجماعية الإيرلندية.
ولا تزال هذه المبادرة موضع تقدير في إيرلندا حتى اليوم، إذ يُذكر اسم السلطان عبد المجيد الأول باحترام، كما يظهر الهلال والنجمة العثمانيان في شعار نادي كرة القدم بمدينة دروغيدا، تخليدًا لتلك اللفتة الإنسانية النادرة.
وتجسّد هذه القصة مثالًا بارزًا على التضامن الإنساني العابر للحدود، وتؤكد أن القيم الأخلاقية قادرة على تجاوز الخلافات السياسية والاحتلال والهيمنة الاستعمارية، لتذكّرنا بأن التاريخ لا يُكتب بالحروب وحدها، بل أيضًا بمواقف الضمير والرحمة والإنسانية.